موقع العارف بالله الشيخ أحمد رضوان البغدادي الأقصري رحمه الله تعالى

 

 

الصفحة الرئيسية | أضفنا لمفضلتك

 
 

(5) وصفه ومجلسه ولقاؤه بعبد الناصر

 

وصفه رضي الله عنه:

كان - رضي الله عنه - ربعة مستدير الوجه، يميل إلى السمرة، ويميل في مشيته على إحدى رجليه, وكانت لحيته ملتصقة بالشارب, وكانت بيضاء في نهاية حياته، تعطي للوجه بهاءً وجمالاً, وكان رضي الله عنه واسع العينين, أحور، وإذا غضب احمرت عيناه، ولا يستطيع الناظر أن يحدق فيهما.

وكان رضي الله عنه طويل الأصابع، كث الشعر، عريض الجبهة، عريض الكراديس, لا يظهر عليه خلو في فمه بين أسنانه رغم أنه خلعها في  شبابه لإصابته بالسكر، فلا يظهر ذلك في  مظهره ولا في  حديثه ولا في  تبسمه.

مجلسه:

كان رضي الله عنه يميل في مجلسه إلى الجلسة المشابهة للصلاة, وإذا اتكأ لا يتكئ إلا على شقه الأيمن، ويحب في مجلسه استقبال القبلة، ويجعل يديه أسفل رأسه وهو يقول: هذه جلسة أهل التمكين, وكان رضي الله عنه يقضي الليل كله ساهراً، ولم يعرف عنه كثرة النوم، فإذا أراح جسمه قليلاً يغطي جسمه بغطاء.

لباسه:

كانت الثياب البيضاء أحب الثياب إليه, وعرف عنه رضي الله عنه أنه كان يلبس لباس الصيف في الشتاء، ولباس الشتاء في الصيف، فلا يظهر عليه برد في الشتاء ولا شعور بقيظ الحر في الصيف, وكان يصب عليه الماء البارد في أشد الأيام برداً فلا يتألم لبرودته, ويوقد  النار في الصيف ويقف بجوارها دون أن يتأثر بحرها، وهذه الصفة ورثها من جده الإمام علي كرم الله وجهه، فقد ورد أن الإمام علياً رضي الله عنه وكرم الله وجهه كان يخرج في الصيف القائظ وهو يلبس عباءً ثخيناً محشواً فلا يشعر بحر ولا يشكو منه, وكذلك ورد أنه كان يسير في الشتاء شديد البرد وهو يلبس ثوباً خفيفاً, حتى إن أصحابه تعجبوا من ذلك فسألوا عن سره فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لي يوم خيبر فقال: اللهم اكفه الحر والبرد، فما وجدت بعد ذلك برداً ولا حراً .

طعامه:

كان أحب الشراب لديه اللبن، وأحب الطعام عنده اللحم، وأحب اللحوم لحم الضأن، وكان يحب الحلوى والفاكهة  .. هذا في أيام قوته أما في أخريات حياته فكان طعامه شبه الدائم الزبادي والدباء مسلوقاً بالماء.

وكان يأكل بثلاثة أصابع، ويأمر أهله وأحبابه باتباع السنة في الطعام, فلا يكون الطعام ساخناً سخونة مضرة، ولا بارداً برودة مخلة, ولا يجلس إلى مائدة الطعام إلا إذا رأى الفقراء قد سبقوه إليها.

وروي أن أحد عمد إسنا قد أعد وليمة بمناسبة زيارة الشيخ للقرية, وكان أحد المجاذيب الفقراء يسمى حسن قد حاول أن يدخل إلى مجلس الشيخ, فمنعه الناس من الدخول فلما أعدت المائدة، ودعي الشيخ إليها قال رضي الله عنه: لن أجلس حتى تأتوا بحسن، فخرج العمدة وأهله يبحثون عن هذا الفقير حتى عثروا عليه.. فما جلس الشيخ إلا بعد أن جلس هذا الفقير الجائع.

وكان على عادة أهل القرى في صعيد مصر عدم الجلوس أثناء الطعام مع الفقراء والمساكين, بل يجعلون لهم مائدة خاصة بهم, بل ولا يجلسون معهم في مجلس واحد, بل لكبار القوم مجلس خاص لا يرتاده الفقراء, فوفق الله مولانا الشيخ أحمد رضوان رضي الله عنه حتى جعل لهؤلاء الفقراء مجلساً مع أكابر الناس يجلسون حيث يجلس عليه القوم، ويأكلون معهم فأسس في صعيد مصر هذا المبدأ الراسخ الذي لم يكن موجوداً قبله رضي الله عنه في هذه الأماكن.

وكان رضي الله عنه في أحد مجالسه فسأل: من بالخارج ؟ فقالوا له: فلان مدير كذا، واللواء فلان، والمستشار فلان، وعدوا له مجموعة من عِلية القوم، ثم سأل: ومن؟ قالوا: فلان، وهو رجل شريف فقير، وقال وهو غاضب رضي الله عنه: أتعدون لي فلاناً وفلاناً، وتتركون هذا الشريف فهو خير من هؤلاء جميعاً أدخلوه علي .

الشيخ والرئيس عبد الناصر:

لما انتشرت دعوة مولانا الشيخ أحمد رضوان، وعم فضله، وسمع به الناس، وسعى إليه كبار القوم, سمع به الرئيس جمال عبد الناصر فسعى إلى لقائه والتبرك به والاستفادة من علمه ...

يروي السيد حسن عباس زكي أحد الوزراء المعاصرين للرئيس جمال عبد الناصر، والذين عايشوه فترة من فترات تاريخه، كيفية اللقاء الذي تم بين الشيخ وبين الرئيس، فيقول في حواره الذي نشر في مجلة (روزاليوسف)، وهو يستدل على ميول الرئيس الصوفية:

(( لقاء العارف بالله .. قلت (المحاور) للشاهد حسن عباس زكي, ما رويته لي ليس دليلاً على الميول الصوفية لعبد الناصر .

رد بحماس: إليك دليلاً آخر مباشراً, لا أذكر التاريخ بالضبط لكنني عندما خرجت من الوزارة لم تنقطع علاقتي بالرئيس، وكثيراً ما كان يطلبني للمقابلة والمناقشة, وفي إحدى المرات ذهبت إليه وكان في حالة عميقة من الإحباط والضيق, طيبت خاطره وقلت له: عندما أكون في مثل هذه الحالة أتوضأ وأصلي وأتأمل، الخالق الأعظم أناجيه وأدعوه، إن ثوابك عظيم يا سيدي الرئيس على قدر رؤيتي الروحية، تكفي صلواتك الخمس مع كل هموم الشعب ومشاكله التي تحملها فوق كتفيك، يكفي ذلك لتكون الجنة مثواك, ومع ذلك أنت في حاجة بين حين وآخر أن تقطع الطريق على نوبات الإحباط والضيق, ربما يحتاج الأمر إلى جلسة روحية مع أحد الأولياء الصالحين .. جلسة مصارحة ومكاشفة للرب الخالق الأعظم, جلسة تطهر وشفافية، لن تندم يا سيدي الرئيس لو جربت ..

سألنى بتلقائية: عايزني أعمل إيه يعني؟

قلت: أنصحك باستضافة العارف بالله الشيخ أحمد رضوان, هذا الولي يقيم في قنا، لا تنزعج من مظهره, إن هؤلاء الناس لا يلقون بالاً لهذه الشئون الدنيوية, اجلس معه واكشف له عن مواجعك, تخفف مما ينقض ظهرك, فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.

قال لي عبد الناصر: طيب يا سي حسن, كيف نأتي بالشيخ أحمد رضوان؟

قلت له: اترك الأمر لي، فسافرت إلى الشيخ أحمد رضوان, فأقبل الرجل على الزيارة مستبشراً وتم اللقاء, وعند الوداع وقع الالتباس.. كان عبد الناصر على الهاتف يقول لي: يا حسن شيء ما أغضب الرجل مني !!

سألته: ماذا حدث؟

قال: قدمت إلى الرجل علبة صدفية وبها بعض النقود, رفضها وغضب!!

قلت له: لا عليك, هؤلاء الناس لا يهتمون بالدنيا وما فيها , دعني أصلح الأمر.

ذهبت إلى الشيخ رضوان سألته: ماذا حدث؟

امتنع الرجل عن الحديث ..

قلت له الرئيس يدعوك لزيارته مرة أخرى .. رحب الرجل مستبشراً, وكأن شيئاً لم يقع .. زال الالتباس وبقي الإشراق.

قبل الزيارة قلت لعبد الناصر: اعطه مسبحة أو مصحفاً بعد الجلسة، وسارت العلاقة بين الرئيس والعارف بالله الشيخ أحمد رضوان، ولم أتدخل في الأمر بعد ذلك، فقد عرف كل منهما طريقه إلى الآخر.

وكان رضي الله عنه يدعوا للرئيس بالنصر، ويقدم له النصائح والإرشادات، ولما سمع بعض أحبابه برفضه للمال الذي قدمه له الرئيس مع أن الرئيس أقسم للشيخ مراراً أن هذا المال من ماله الخاص قالوا للشيخ: لماذا لم تأخذه ثم توزعه على المحتاجين والفقراء؟ فقال رضي الله عنه: رفضته لأعلمكم العفة.. فهو يرفض المال والعطايا من الحكام ليعلي قدر رجال الدعوة ويرفع ذكرهم في نظر الحكام، وليعطي درساً لأحبابه والأجيال من بعده.

إن أعلى درجات الكرامة عند المؤمن العفة.. ولقد سئل رضي الله عنه بعد عودته من زيارة الرئيس في بيته: كيف كان الرئيس في بيته ؟ فقال رضي الله عنه كلمة واحدة  تحمل أعلى درجات الفهم والفطنة قال: رأيته رجلاً . أي: بمعنى الرجولة الإسلامية الحقة.

 

 

الحقوق لكل مسلم